الشيخ محمد علي الأنصاري

455

الموسوعة الفقهية الميسرة

للخلاف في اتّباعها ، بل يجب القطع بكونها حجّة » « 1 » . والذي نفهمه من هذا النصّ هو : أنّ المصلحة إذا كانت مهمّتها المحافظة على مقصود شرعي مستفاد من الكتاب أو السنّة أو الإجماع فهي معتبرة وإلّا فهي ملغاة . ولكن قد تقدّم أنّ درك المصلحة لا ينحصر بالطرق الثلاثة المتقدّمة - أي : الكتاب والسنّة والإجماع - بل العقل طريق آخر يمكن به إدراك بعض المصالح أيضا « 2 » . والمناسب أن ننقل كلام الأستاذ الخضري في نهاية دراسته لهذا الموضوع ، حيث قال : « إن كان جمهور الأصوليين ينفون القول بالمصالح المرسلة ، فإنّ معظم الفقهاء - في استنباطهم - كثيرا ما يعوّلون عليها ، وسلفهم في ذلك عمر بن الخطّاب ؛ فإنّه اعتبر هذه المصالح في كثير من اجتهاداته ، فهو الذي أسقط سهم المؤلّفة قلوبهم ، مع أنّ القرآن عدّهم من المستحقّين ، وأسقط الحدّ عن السارق عام المجاعة ، وترك التغريب في الزنى بعد أن لحق أحد المغرّبين بالروم وتنصّر ، وجعل الطلاق الثلاث بكلمة واحدة ثلاثا ، بعد أن كان واحدة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ، وعهد أبي بكر ، وصدر من إمارته ، كما روى ذلك مسلم في صحيحه ، وله من ذلك كثير . وقد وافقه في بعض هذه الاجتهادات جميع الفقهاء ، ووافقه بعضهم في شيء منها ، ولكنّا نرى - كما يقول الغزالي - : أنّ الاسترسال في هذا الباب حرج ، ونقول : إنّ المصالح المرسلة يجب أن تعتبر ما دامت لا تعود على نصّ بالإبطال ، وإن أبطلت ، أو خصّصت فلا تعتبر إلّا عند الضرورات الكليّة المتيقّنة . أمّا إذا كان الوصف لا يشهد له أصل معيّن بأيّ اعتبار ولا إلغاء ، فلا يعتبر ، قولا واحدا ، وهذا هو الذي يسمّونه المناسب المرسل الغريب ، ومثله ما إذا دلّت الأصول على إلغاء الشارع اعتباره » « 1 » . ثمّ مثّل للأخير بإفتاء يحيى بن يحيى الليثي ، خليفة الأندلس بصوم ستّين يوما حينما جامع في نهار رمضان ولم يفته بالتخيير استصلاحا ؛ لأنّ ذلك أزجر له . ومن هذا القبيل ما نقله الشوكاني عن ابن دقيق العيد ، حيث قال : « لست أنكر على من اعتبر أصل المصالح ، لكن الاسترسال فيها وتحقيقها محتاج إلى نظر سديد ، وربما يخرج عن الحدّ ، وقد نقلوا عن عمر : أنّه قطع لسان الحطيئة بسبب الهجو ، فإن صحّ ذلك فهو من باب العزم على المصالح المرسلة ، وحمله على التهديد الرادع ؛ للمصلحة أولى من حمله على حقيقة القطع ؛ للمصلحة ، وهذا يجرّ إلى النظر في ما يسمّى مصلحة مرسلة » .

--> ( 1 ) المستصفى 1 : 310 وما بعدها . ( 2 ) انظر الأصول العامّة للفقه المقارن : 401 . 1 أصول الفقه ( للخضري ) : 316 .